أنا … وأبى بيكاسو بقلم : بالوما بيكاسو

230

بكت الطفلة ” بالوما بيكاسو ” وهى ترى والدها يسحب حذاءها الجديد ويرسم عليه احدى لوحاته السيريالية .. صاحت والدموع تملأ عينيها :”لقد أصبح غير نظيف .. أريده كما كان “. ولم تدر الفتاة الصغيرة أن ما حدث لحذائها هو ما كانت تتمناه ملايين الفتايات ، وأنه كان سيملأ عيونهن بالسعادة لا بالدموع .
ولكن حينما أصبحت ” بالوما ” فى الرابعة بدأت تشعر أن لها أبا متميزا اسمه ” بابلو بيكاسو “. وتعود ” بالوما ” بذاكرتها الى الوراء .. الى أيام الطفولة .. ثلاثون عاما مضت .. انها لا تصدق . ومع ذلك فانها تتذكر فى هدوء بغمره الحنين .. تقول :” كنت أجلس دائما الى جانبه فى السيارة ، أو على المائدة .. أعتقد أنه حتى لو دعيت عندنا ملكة انجلترا لتناول الغداء لكان مكانى بجانبه .. ان أحدا – مهما كان – لن يستطيع أن ينتزع منى هذا الموقع . انى أحس طفولتى أكثر مما أتذكرها . ان دفئها مازال يلف مشاعرى ويحتضن أحاسيسى .
وحينما أقول أنى كنت دائما بجانبه فان هذا لا يعنى الواقع المادى فى كل الاحوال ، ولكنه احساسى الخاص بلالتصاق به ، والقرب منه .”
أغنياء بأقاربنا
ولدت فى 19 ابريل عام 1949 بقرية ” فالورى ” الفرنسية فى منزل فسيح . كان باكمله مرسما بالنسبة لأبى .. فهو يرسم فى جميع حجراته . لم يكن له مكان خاص للرسم مثل معظم الرسامين . وفى أيام العطلات كان أبى ينادينا قائلا :
هيا نذهب لزيارة العم ” شيفال” صانع الالات الموسيقية .. أو الى العم ” روسو ” ” رجل الجمرك ” الذى يعمل فى الميناء ..
وكنا فى العادة نذهب معه ، ولا نلتقى بهذا الرجل أو ذاك .
واتضح لى حينما كبرت أن أحدا منهما لم يكن له وجود على الاطلاق . وأنا الان مازلت أتذكر لوحتين كبيرتين فى منزلنا . الاولى للعم ” روسو ” ، والثانية لعمتى التى لم نرها فى حياتنا .. كان أبى يشير اليهما ويقول :” نحن أغنياء بأقاربنا “.
وحينما كان أبى يصحبنا للغداء فى أحد المطاعم ، كنت ألاحظ أنه سرعان ما يعقد صداقات مع الجالسين على المائدة المجاورة ، وكان يطلق عليهم أصدقاء الطفولة أو الدراسة ، مع العلم بأن أبى ترك المدرسة وهو فى سن التاسعة . وكنا نحن أفراد الاسرة نودعهم ونحن نجهل أسماءهم !!
كان هدف أبى من كل هذا أن يغرس فى نفوسنا الاحساس بأننا محاطون بالاصدقاء .
العائلة ووجبة العشاء
وحين كبرت بعض الشئ أصبح لابى أصدقاء حقيقيون . وقد تعلقت ببعضهم مثل الكاتب ” جان كوكتو ” والشاعر ” بريفير ” والرسام ” براك ” .. وهذا الاخير كنت أحب أن أزوره فى مرسمه بميدان ” مونت سورى ” . كان رقيقا وجذابا ، لكنه أقل دفئا من ” كوكتو ” الذى كان يهودى أن يعجب به الاطفال أكثر من الكبار ..
كانت جدران منزل ” كوكتو ” مزينة برسوم أعدها بفرشاته للاطفال . أما ” بريفير” فقد كان لطيفا رقيقا .. كان يبعث لى بلعب جميلة فى رأس السنه .. وكتب لى قصة أسمها ” العائلة ووجبة العشاء “. وهى قصة عن عائلة فقيرة لاتجد قوتها فتأكل وجبة واحدة هى وجبة العشاء ، وتنام طيلة النهار حتى لا يشعر أحد منها بالجوع .
كنا فقراء فى ذلك الوقت . وكانت هذه القصة تعنى لى الكثير .. كان أبى لا يقدم لى الهدايا الا فى رأس السنة فقط .. وكانت هداياه من النوع البسيط الذى يحمل من القيمة المعنوية أكثر مما يحمله من القيمة المادية .
وعندما بلغت العاشرة تم الانفصال بين أبى وأمى . ولم نشعر – أخى وأنا – بالخلافات التى كانت بينهما . وقد انتقلنا الى باريس مع أمى فى هدوء ، والتحقنا باحدى المدارس التى كنت أنا وأخى نذهب اليها سيرا على الاقدام .. نخترق حديقة ” لوكسمبورج ” الشهيرة وسط باريس وكنت أقف يوميا أمام نافورة ” مديسيس” فى ظلال الاشجار المحملة برائحة الخريف النفاذة التى أعشقها وأذهب اليها حتى الان .
الاب التقليدى والفنان
وانا فى الحادية عشرة طلبنا أبى لزيارته فى منزله الجديد الذى انتقل اليه بمدينة ” كان ” على الشاطئ الفرنسى .. كان أبى ينتظرنا على محطة القطار فى كل عطلة صيفية ، ويصحبنا الى البيت وهو يلقى علينا عشرات من أسئلة الاباء التقليدية .. ويظل يطاردنا بهذا النوع من الاسئلة أربع ساعات متصلة ، الى أن يحين موعد الغداء .. وعلى المائدة يصبح كل منا على طبيعته ، ويبدأ أبى فى المزاح ببساطة حقيقية . لقد أنتهى دوره كأب تقليدى . كان يتركنا نلعب ، ونمارس هواياتنا .. الممنوع الوحيد هو لمس أعماله الفنية .. مسموح لنا بالنظر فقط ..
اسم من ذهب
وعندما أعود الى الوراء .. الى سن الحادية عشرة .. أذكر أن اسمى ” بالوما جيلو ” .. و”جيلو ” هو اسم أمى .. ذلك ان القانون الفرنسى كان يفرض انتماء الابناء غير الشرعيين الى أمهاتهم .. لكن أبى صمم على أن يعطينا اسم ” بيكاسو ” بدلا من ” جيلو ” ، وكان هذا غير قانونى فى ذلك الوقت .
وفى عام 1976 تغير القانون فى فرنسا ، وأصبح من الممكن انتساب الابناء غير الشرعيين للاب ، والفضل فى هذا لابى .
وأنا الان أسائل نفسى : ترى ، لو أن اسمى بقى كما كان ” بالوما جيلو ” ، فهل كنت سأصيب هذه الشهرة ، ويتمسك بى أشهر صائغى العالم للعمل معه ؟
ان اسم أبى هو أثمن الثروات التى تركها لى .. فنحن لم نرث عنه ثروة بالمعنى المعروف .. انه لم يكن من رجال الصناعة .. ولم يملك مصنعا للسكر فى أفريقيا يسخر فيه السود كما شأن المستغلين .. كانت ثروته عددا من اللوحات الفنية التى تركها لنا .. وهى تشكل لى ولاخى ” كلود ” مسئولية كبيرة . فنحن نقيم المعارض الدورية لعرض هذا التراث الفنى الذى تركه والدنا ، ثم نبذل كل جهدنا للحفاظ عليه ، وقراءة كل ما كتب ويكتب عنه ، وحضور الندوات الخاصة به .. وقد أقمنا معارض لتراث أبى فى معظم أرجاء العالم .
وقد أضيف أن لى وجهة خاصة فى لوحات أبى ، وذلك من الناحية الفنية كمتذوقة لفنه . فأنا لست ناقدة متخصصة .. ولكنى أقولها ببساطة : هذا الفنان فى كل نظرية من نظرياته فى الفن قد أضاف الجديد .. فى التكعيبية .. فى العودة الى الواقعية – واقعية بيكاسو – عبر عن شئ خاص به وحده .. لماذا ؟ لانه التزم بالموضوعية الشديدة للوصول الى الهدف الفنى الحقيقى .. فقد أوجد توافقا بين حدس الفنان وحيويته من ناحية ، وبين البحث عن الجذور فى أصول الفن من ناحية أخرى . وهذه المعادلة الصعبة فى الواقع هى بيكاسو نفسه . اما الان فيوجد اسمى ” بالوما بيكاسو ” على الذهب .. اسم له رنين أعلى من اسم ” بابلو بيكاسو ” .. أليس كذلك ؟! .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s